ابن حمدون

127

التذكرة الحمدونية

معاوية : أما بعد ، فإن التفهم في الخير زيادة ورشد ، وان المتثبت مصيب والعجل مخطىء ، وإن لم ينفعه الرفق ضرّه الخرق ، ومن لم تعظه التجارب لم يدرك المعالي ، ولا يبلغ الرجل أعلى المبالغ حتى يغلب حلمه جهله ، والعاقل سليم من الزلل بالتثبت والأناة وترك العجلة ، ولا يزال العجل يجتني ثمرة الندم . « 264 » - وقال معاوية يوما : ما ولدت قرشية خيرا لقريش مني ، فقال ابن زرارة : بل ما ولدت شرا لهم منك ، فقال : كيف ؟ قال لأنك عوّدتهم عادة يطلبونها ممن بعدك فلا يجيبونهم إليها ، فيحملون عليهم كحملهم عليك فلا يحتملون ، وكأني بهم كالزقاق المنفوخة على طرقات المدينة . « 265 » - والأحنف بن قيس السعدي ثم أحد بني منقر قد اشتهر عند الناس بالحلم ، وبذاك ساد عشيرته ، وكان يقول : لست بحليم ولكني أتحالم ، قلة رضى عن نفسه بما استكثره الناس منه ، وهو اقتفى بقيس بن عاصم المنقريّ ، وقال : كنا نختلف إليه في الحلم كما نختلف إلى الفقهاء في الفقه . « 266 » - وقال الأحنف : حضرت قيس بن عاصم وقد أتوه بابن أخ له قتل ابنه ، فجاؤه به مكتوفا يقاد إليه ، فقال : ذعرتم الفتى ، ثم أقبل عليه فقال : يا بنيّ نقصت عددك ، وأوهنت ركنك ، وفتتّ في عضدك ، وأشمتّ عدوك ، وأسأت بقومك ، خلَّوا سبيله واحملوا إلى أمّ المقتول ديته ، فانصرف القاتل وما حلّ قيس حبوته ولا تغيّر وجهه .

--> « 264 » محاضرات الراغب 1 : 241 . « 265 » قوله : « لست بحليم » في نثر الدر 5 : 17 وسراج الملوك : 143 ورسائل ابن أبي الدنيا : 24 وقوله : كنا نختلف إليه في الحلم في نثر الدرر 5 : 18 وسرح العيون : 106 وقارن بالبيان والتبيين 2 : 43 وبالمستطرف 1 : 117 ، 187 . « 266 » عيون الأخبار 1 : 286 والأغاني 14 : 70 وأمالي المرتضى 1 : 113 وغرر الخصائص : 385 وديوان المعاني 1 : 135 وسراج الملوك : 144 وقارن به : 248 .